ابن أبي حاتم الرازي
14
كتاب العلل
تُدَوَّنْ في عصر النبوَّة والخلفاءِ الراشدين كما دُوِّن القرآن ؛ لأسبابٍ يطولُ ذِكْرُها ( 1 ) ؛ من أهمِّها : طولُ الفترة التي يلزمُهُمْ فيها تدوينُ كُلِّ ما يَصْدُرُ عنه ( ص ) مِنْ أقوالٍ ، وأفعال ، وتقريرات ، وهي ثلاثٌ وعشرون سنة ، مع قِلَّةِ الكَتَبة ، ونُدْرَةِ أدواتِ الكتابة ، على نحوٍ يَصْعُبُ معه - بل يستحيلُ - كتابةُ كُلِّ ما يَصْدُرُ عنه ( ص ) طيلةَ هذه الفترة على أكتافِ الإبل ، والألواح ، وعُسُبِ النخل ، والحجارةِ ؛ فهذه هي الأدواتُ التي كانوا يَكْتُبون عليها ، أما الجُلود فنادرةٌ ، وأما الوَرَقُ فمعدومٌ . وكما أنَّ الصِّراعَ بين الشيطان وبني آدم قائمٌ منذ أنْ أُهْبِطَ آدَمُ إلى الأرض ، فالصِّراعُ كذلك موجودٌ بين علماء الحديث وأعداء السُّنَّة ، وقد تمخَّض هذا الصِّراع عن تلك الجُهُود التي بذلها العلماءُ لحمايةِ جَنَابِ السُّنَّة ، وذَبِّ الكذبِ عنها والدَّخيلِ عليها ، وتتمثَّلُ في أمور عديدة ، من أهمِّها : نَشْأَةُ الإسناد ، وعِلْمُ الجرح والتعديل والكلامُ في الرواةِ جَرْحًا وتعديلاً ، ومعرفةُ التاريخِ الذي يَسْتبِينُ به صدقُ الرواةِ وكذبُهم ، واتصالُ الأسانيدِ وانقطاعُهَا ، وعِلْمُ مصطلح الحديث ، والمصنَّفاتُ في صحيحِ السُّنَّة وضعيفها ، وغيرُ ذلك كثير ؛ ومن أشهره : معرفةُ عِلَلِ الحديثِ الذي هو موضوعُ كتابنا هذا .
--> ( 1 ) تجدها مبسوطة عند الخطيب البغدادي في كتابه " تقييد العلم " ، وعند محمد عجاج الخطيب في كتابه " السنة قبل التدوين " ، وغيرهما .